قصة قصيرة ………….. المواصلات


نظام المواصلات العامة في بلادي فريد من نوعه ولا أظن أن بلداً آخر في العالم يشاركه هذا النظام ، ولا اعرف تحديداً من هو الملام في جعل هذا النظام الغريب الفوضوي هو النظام المتبع . فبرغم وجود أماكن مخصصة للحافلات العامة ومقسمة بحسب وجهة كل منها ، إلا أن الوضع القائم الآن هو انتظار كل الناس عند مدخل محطة المواصلات الرئيسية والتدافع نحو كل الحافلات الداخلة إليها قبل تبين وجهتها والاعتماد على الحظ وحدة حاستي البصر والسمع لتتمكن من قراءة اللوحة المكتوبة بخط صغير ويتراكم عليها الغبار في مقدمة الحافلة أو سماع صيحات السائق وهو يحدد وجهته

أخذت نفساً عميقاً وبدأت في قراءة بعض الأدعية المأثورة عندما لمحت حافلة تتأهب للدخول إلى المحطة وفي لحظة دخولها للمحطة كنت أحد السابقين للوصول إليها وبنظرة سريعة استطعت قراءة اللوحة الموضوعة على مقدمة الحافلة وحمدت الله انها كانت تشير للوجهة التي أقصدها

جلست على مقعدي في الحافلة متناسياً استيائي من تعالي الصيحات بالخارج على جانبي الحافلة ومتشاغلاً عن سماع كل الأصوات المحيطة بي بشعور السعادة الذي انتابني عندما فكرت انني اوشكت على الوصول إلى وجهتي ، ووجدتني أدعو لسائق الحافلة الذي اهتم بنظافة لوحة المقدمة في حافلته مما مكنني من قراءتها بالسرعة المطلوبة ، ثم سرعان ما بدأت التفكير فيما سأقوم بعمله بمجرد الوصول

نظرة واحدة للنافذة بجواري كانت كافية لإخراجي من أفكاري بعنف ، فالطريق الذي تسير فيه الحافلة ليس الطريق المؤدي إلى وجهتي. صحت بالسائق محاولاً تنبيهه إلى أنه يسير في طريق خاطئ لكن هدير ماكينة الحافلة القديمة طغى على صوتي ، فتحركت نحو المقدمة حتى وصلت للسائق ففاجأني بقوله : (أنا أسير في الطريق الصحيحة فقد نبهت في المحطة أنني متوجه إلى غرب المدينة وليس إلى شرقها كما تشير اللوحة) ، وعندما هممت بالنزول من الحافلة ساخطاً من الحافلة ومن سائقها الذي بدا أنه لم يكتف بما ارتسم على وجهي من خليط من المشاعر كفيل بإثارة تعاطف كل من له قلب ، بل إنه طالبني بدفع مبلغ الرحلة كاملاً لأنه ليس المذنب -على حد قوله – في أنني ركبت الحافلة الخطأ

هل هو خطأي أنني لم أتأكد من وجهة الحافلة واكتفيت فقط بقراءة اللوحة الإرشادية في مقدمتها ؟ أو حتى لأنني انشغلت عن مراقبة الطريق في البداية ولم انتبه للخطأ مبكراً ؟ هل هو خطأ السائق الذي اهتم بتنظيف اللوحة ولم يهتم بصحة المعلومة التي تقدمها ؟ هل هو خطأ الإدارة العامة للمواصلات والنقل التي تسمح بهذه الفوضى ؟ هل هو خطأ الركاب الذين قبلوا بهذا الوضع ؟

أياً كان الأمر فقد قررت أن هذا اليوم هو آخر يوم أشارك فيه الاخرين ركوب حافلاتهم العامة هذه ، ومهما كانت وجهتي بعيدة والطريق إليها طويلاً فسأقطعه سيراً على الأقدام ، خطوة خطوة

 

About 4newsudan

من أجل سودان جديد ، نقدم أمل جديد لكل من فقد الأمل أو أوشك على فقدانه
This entry was posted in أدبيات. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s